ابن بسام
105
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ونحن نقول : لعلّه قد أنف لضياع ثغوره ، وتشعّت أموره ، وانتشار الشّرك بإزائه وظهوره . وكأنّه فهم ما نحير ، وعلم إلى أين نشير ، فأظلم ما بيننا وبينه ، وازورّ ازورارة أنكرنا به أثره وعينه ، [ وقال ] : من حقّ مثل هذا أن يصرف في مثل ضروب الحلية الرائقة ، وأنواع الآنية المؤانقة [ 1 ] . وأي معنى في كونها نقر ؟ ما أعجب هذا وما أنكر ! هذه بالحجارة أشبه منها بآلات الإمارة . فقال له ابن محقور ، وكان أشدّهم جرأة ، وأثقلهم وطأة ، لعزّة ركنه ، وإدلاله بفضل سنّة : إنّ هذه - أيّدك اللّه - إذا كانت نقرا بقيت ذخيرة زمان ، وعدّة لحدث إن كان ، ولا تحوّل آلات إلّا بعد نفقة ، وتحيّف من كلّ طبقة ، ثم لا تزال نصب عين من يرد من رسول ، وينتاب من ابن سبيل ، وينمي خبرها إلى الطاغية فرذلند فتدعو السياسة إلى أن يخص منها بقسم ، ويضرب له في أنفسها بسهم . فزوى عنهم وجهه ، ولم يأمنوا نجهه ، وثقلوا بعد عليه ، ويئسوا من شيء من الفلاح يجري على يديه . وخالفهم إلى ما أراد ، فأبدى فيه وأعاد ، وآلت حاله إلى ما قال الشيخ : ما نقص ولا زاد [ 70 ] . ذكر الخبر عن بعض ما تناهى إليه المأمون من تشييد البنيان بقصور طليطلة قال ابن بسام : ثمّ أخذ المأمون في بناء مجلسه الكبير المكرّم بناء باء بإثمه ، وخلا سريعا من اسمه ، لم يخلّده في عقب ، ولا قضى من لذّته به كبير أرب . وكان الذي تولّى له رصف بدائعه ، وإحكام مصانعه ، رجل من مهرة الفعلة ، أكثر خلق اللّه صلفا ، وأشدّهم تتايعا [ 2 ] وسرفا . وكان المأمون لعدم نظيره ، يحتمل من اعتدائه وتغريره ، وتهاونه بجميع أموره ، ما لا مزيد عليه ، ولا انتهاء لأحد إليه . واتّفق له مع ذلك الصانع أن وعده بتمام مجلسه المشيّد قبل إطلال العيد ، فرشح ابن ذي النون للجلوس في صدره ، والاستظهار على زينة عيده بالفراغ من أمره . وتقدّم إلى من كان بحضرته من الشّعراء ، على قلّتهم ببابه ، ونفارهم عن جنابه ، لقلّة نائله ، وتفاهة طائله ، في وصف مجلسه ذلك وتقريظ مبانيه ، والثناء على مخترعه وبانيه . ثمّ إن ذلك الصانع استمرّ على ديدنه من الخلاف ، وعمل على شاكلته من التهاون والإخلاف . واتّفق أثناء ذلك أن ضربت خيل الطاغية فرذلند على بلاد المظفّر بن الأفطس ؛ وطئتها وطأة محت رسومها ،
--> [ 1 ] ص : الرائقة . [ 2 ] ص : تتابعا .